جمعتنا حلقة دراسية تربوية، شاركتُ فيها مع عدد من التربويات والموجّهات ومالكات المدارس الخاصة، إلى جانب نخبة من الأكاديميات المتخصصات في مجال الطفولة. كانت المدربة أوروبية الجنسية، خبيرة في تعليم الأطفال، وقد عرضت في اليوم الأول مقاطع فيديو مؤثرة لطريقتها في التواصل مع الصغار، أسرتنا بحيويتها وأسلوبها الملهم، فاندمجنا في النقاش بحماس، مستعرضين تجاربنا وأفكارنا حتى مغادرتنا للقاعة.
لكن في صباح اليوم التالي، جاءت المفاجأة:
قالت المدربة بصراحة إنها تشعر بالإحباط، وأن كل ما قدمته في اليوم السابق لن يُحدث أي أثر حقيقي، بل وصفته بأنه "ضربٌ من العبث".
سادت الدهشة، حتى شرحت المترجمة الموقف:
بعد انتهاء اليوم الأول، لم يُعد أحد منا ترتيب الطاولات، ولا أعيدت المقاعد إلى أماكنها، ولم تُرمَ زجاجات المياه والمناديل. لقد انشغلنا بالنقاش وتركنا المكان كما هو، متوقعين أن تقوم العاملة بتنظيفه لاحقًا.
سادت القاعة لحظة صمت ثقيلة. شعرنا بالخجل، وبدأ كلٌّ منا ينظر إلى الآخر بدهشة واعتراف ضمني بالتقصير.
حينها قالت المدربة بحزم:
"ما فائدة ما أقدّمه لكم إن كنتم لا تمارسونه بأنفسكم؟ لن تستطيعوا التأثير في أطفالكم ما لم تكونوا أنتم القدوة. إذا أردتم أن يتعلّم الأطفال احترام المكان وتحمل المسؤولية، فابدؤوا بأنفسكم."
وأكملت:
"خصّصوا وقتًا للأطفال لتفقد فصولهم وتنظيفها، ولا تتركوا ساحات المدرسة متّسخة بعد الفسحة، علموهم من خلال أفعالكم، لا أقوالكم."
نعم، "عبثًا تحاولون"... معها كل الحق.
القاعدة التربوية الذهبية تقول:
"ما نفعله أقوى من ألف كلمة نقولها."
الطفل لا يستمع فقط، بل يُراقب بدقة، ويقلد ما يراه. الأفعال لديه أقوى من الأوامر، وأصدق من التوجيهات.
إذا أردنا أن نغرس فيهم قيمًا مثل النظافة أو المسؤولية أو الاحترام، فلنبدأ نحن أولاً.
ويُصدق فينا قول الشاعر:
لا تنهَ عن خُلقٍ وتأتي مثلهُ
عارٌ عليك إذا فعلت عظيمُ
فلنتذكر دائمًا: نحن تحت مجهر الأطفال، وما يرونه منا هو ما يبقى في ذاكرتهم، ويشكّل شخصياتهم.
نسأل الله أن يجعلنا قدوات حقيقية، نقول فنفعل، ونوجه فنُطبّق، وأن يرزقنا الإخلاص في التربية، وأن نكون ممن يتركون الأثر الجميل في نفوس الأجيال.