في صباح يوم بارد، جلس رجل في محطة قطارات الأنفاق بواشنطن، وبدأ يعزف على كمانه مقطوعات لبيتهوفن. استمر في العزف لمدة 45 دقيقة، مر خلالها آلاف الأشخاص، معظمهم في طريقهم إلى أعمالهم وسط زحام الصباح.
نحو عشرين شخصًا فقط توقفوا للحظات، ألقوا بعض النقود في قبعته ومضوا، جمع خلالها 32 دولارًا.
لكن لم يعرف أحد من المارة أن ذلك العازف لم يكن شخصًا عاديًا، بل كان جوشوا بيل، أحد أشهر عازفي الكمان في العالم، وكان يعزف واحدة من أعقد المقطوعات الموسيقية على كمان تبلغ قيمته 3.5 مليون دولار!
قبل يومين فقط، قدّم نفس المقطوعة في قاعة ممتلئة بمسرح في بوسطن، حيث بلغ سعر التذكرة الواحدة 100 دولار.
ما حدث لم يكن صدفة، بل تجربة اجتماعية نظمتها صحيفة واشنطن بوست لاختبار الإدراك الجمالي والذوق العام في الأماكن العامة. والنتيجة؟
الناس قد يفقدون القدرة على تقدير الجمال حينما لا يكون في المكان أو الوقت "المناسب".
وهنا تكمن الحكمة...
كم من الجمال نمر به كل يوم دون أن نلاحظه؟ كم من اللحظات التي تستحق التقدير تفلت من بين أيدينا؟
إذا لم نجد وقتًا لنستمتع بأجمل لحظات حياتنا مع أبنائنا، ففيم إذًا نُنفق أعمارنا؟
وفق دراسة حديثة نُشرت في مجلة الجامعة الأردنية، فإن الوقت المثمر الذي يقضيه المربي مع أطفاله في العالم العربي لا يتجاوز خمس دقائق أسبوعيًا!
بينما المطلوب لا يقل عن عشرين دقيقة يوميًا، وقتٌ نخصصه للمتعة والمشاركة، لا للأوامر والنصائح فقط.
ما يتمناه الطفل ليس الهدايا أو الأجهزة الحديثة، بل أن يشاركه الكبار جزءًا من يومهم. أن نقرأ له، نلعب معه، نغوص في عالمه، نسمع أحلامه ونسرد عليه قصص طفولتنا، أن نكون حاضرين بقلبنا لا فقط بأجسادنا.
ولكن ما يحدث غالبًا أن ضغوط الحياة وتراكم المسؤوليات تسحبنا بعيدًا عن لحظات الطفولة النقية. تمر الأيام دون أن نمنحهم اهتمامًا حقيقيًا. وحتى إن جلسنا معهم، كثيرًا ما نكون مشغولين بهواتفنا أو مشكلاتنا، نمنحهم الجسد ونحجب القلب.
ثم فجأة ننتبه: العيال كبرت، وذهبت أيام كان يمكن فيها أن نصنع معهم ذكريات لا تُنسى.
نردد أنهم "أكبادنا التي تمشي على الأرض"، وأنهم "زينة الحياة الدنيا"، لكن الواقع يصرخ بالإحصائيات التي تكشف حجم الإهمال العاطفي والإساءة غير المقصودة التي يتعرض لها أطفالنا.
فيا كل أب وأم، لا تجعلوا مشاغل الحياة تخطف منكم لحظات الطفولة الجميلة.
استثمروا وقتكم مع أبنائكم، فهم أعظم استثمار، وهم الذكرى التي لن تتكرر.