في عالم الطفولة، تبدو الأمور مختلفة؛ فالطفولة كلمة مرادفة للبراءة والعفوية، حب الاكتشاف، الإقبال على الحياة، الخيال الواسع، وحسن الظن. لكن أهم ما تتميز به هذه المرحلة هو شغف التعلم للمهارات الجديدة، والإصرار على بلوغ الهدف.
في كل يوم، تتغير ملامح الحياة في نظرنا، وتأخذنا بعيدًا عن المناطق التي نعرفها ونتقن التعامل مع معطياتها، فتتبدل حياتنا بشكل جذري، ونُصبح مُلزمين بتعلُّم أساسيات التعامل مع ما يستجد من مخترعات متدفقة؛ فإذا كان هذا حالنا نحن الكبار، فما حال الصغار؟ وهل تتغير معالم الطفولة باختلاف العصر؟
كم بدا لي الفرق شاسعًا بين جيلي وجيل أبنائي، عندما كنت أشاركهم التسلية بلعبة فيديو ذات إصدار حديث، يقضون معها وقتًا طويلًا من يوم إجازتهم، وهم في قمة التركيز والحماس، تعلو أصواتهم وضحكاتهم لتعمّ المكان بهجةً وفرحًا.
غالبًا ما كنت أحارب جلوسهم الطويل أمام تلك الألعاب، متبنيةً وجهة النظر التربوية الرافضة لها. كثيرًا ما كنت أُكرِّر عليهم كل ما أعرفه عن مخاطرها، وأخاف عليهم من إدمانها.
لكن في ذلك اليوم، ومع أنها لم تكن المرة الأولى التي ألعب معهم فيها، لاحظت مهارتهم الفائقة في استخدام "مقبض التحكم"، وسرعتهم التي، رغم أنها أبهجتني، أربكتني! فلم أستطع مجاراتهم، فألجأ إلى الضحك والتهكّم، محاوِلةً إخفاء عجزي.
ما لفت انتباهي حقًا، هو أن مراحل اللعبة تجسّد فيها معظم نظريات التعلّم التي نُدرِّسها؛ نرى "المثير"، و"الاستجابة"، و"التكرار"، و"التغذية الراجعة"، و"المكافأة"، و"الثواب والعقاب"، و"المحاولة والخطأ"، بأسلوب يحاكي عقولهم، ويرضي طموحهم، ويتحدث بلغتهم. فضلاً عن العديد من مهارات التفكير التي نحلم أن يتقنها أطفالنا ونبحث لهم عن أنشطة ليمارسوها، كاتخاذ القرار، وحل المشكلات، والفرز، والربط، وغيرها، بينما هم يتعاملون مع كل ذلك بتلقائية، ودهاء، ودون توجيه مباشر.
عندها توقفت مع نفسي، وتساءلت: لماذا أحاربها؟!
ففهمت أنني لا أحارب التعلّم، بل أحارب "روح اللعبة" الغربية، وأبطالها، ومواضيعها، وأغار؛ لما لا تكون هناك شخصيات عربية وإسلامية تنافس تلك الغربية؟ شخصيات تنتمي إلينا، وتحمل قيمنا، وتُقدَّم في قالب يتفاعل معه أبناؤنا، ويخاطب لغتهم، ويساهم في بناء وعيهم وهويتهم، بل يرسم لهم طريقهم إلى الجنة.
إنّ أطفالنا اليوم يتعلّمون بطرق مختلفة تمامًا عمّا نشأنا عليه. وبدلًا من أن نحارب الوسائل الحديثة، فلنُسخّرها، ونحوّلها إلى أدوات لغرس القيم، وتعزيز الانتماء، وتوسيع المدارك. فالطفولة ستبقى الطفولة، لكن أدواتها تتغير، ومسؤوليتنا أن نكون حاضرين في هذا التغيّر... لا متفرجين عليه.