أوائل السبعينات، في جامعة ستانفورد الأمريكية، قام عالم النفس والتر ميشيل ووإيبي ايبسون بالتجربة الشهيرة (المارشميلو) والتي اطلق عليها لاحقا نظرية النجاح في الحياة، و كانت الفكرة ببساطة أن يجلس الطفل في غرفة خالية من أيّ وسيله إلهاء ويوضع أمامه طبق فيه قطعة من حلوى (المارشميلو) فيخير الطّفل ما بين تناولها على الفور أو الانتظار 15 دقيقة لتصبح قطعتين، يخرج الباحث فيها ليتركه يقرر بمفرده أمام الحلوى الشّهيّة الجاذبة، هل يأكلها أم ينتظر ليحصل على أخرى، بعد انتهاء الوقت يعود الباحث ليفي بوعده لمن استطاع منهم الانتظار. كانت تصرفات الأطفال طريفة للغاية، حيث كانوا يشمون الحلوى أو يلحسونها أو يقبلونها، وذكر ميشيل أنّ بعض الأطفال قاموا بتغطية أعينهم أو إدارة رؤوسهم عنها، بينما قام آخرون بركل المكتب أو الضغط على قطعة الحلوى، ومعظمهم لم يستطيعوا احتمال رائحتها الشهية أكثر من ثلاث إلى خمس دقائق فالتهموا نصفها وبعضهم لم يستطع صبرا فالتهمها كلها بمجرد مغادرة الباحث، وبلغت نسبتهم 70% ، بينما كان 30 % منهم فقط قادرين على البقاء لنهاية الوقت وحصلوا على المكافأة، كان هدف التجربة الأول هو تحديد العمليات العقلية التي اتخذها هؤلاء الأطفال للتحكم بالنفس وكبح الرغبة.
واللافت في الأمر، أن هذه التجربة لم تشتهر ولم تتناولها معظم وسائل الإعلام إلا بعد مرور عشرات السنين، فقد اتّضح الجزء الأهم منها بعد أعوام، حين تابع ميشيل أداء الأطفال لاحقاً في صفوفهم المدرسية؛ ووجد أن الأطفال الذين أكلوا الحلوى سريعاً أصبحت لديهم بعض المشاكل السلوكية في المدرسة والمنزل إضافة إلى نتائج أقل في الامتحانات، بينما الأطفال الذين تمكنوا من الانتظار لربع ساعة واستطاعوا التحكم بأنفسهم وأبدوا قوة تمثلت في “تأجيل الاستمتاع” كان أداؤهم أفضل في كثير من المقاييس الحياتية المتنوعة، كل ذلك بحسب ما ذكره آباؤهم، ونتائج الدراسات التابعة لميشيل والباحثين من بعده على مدى ٤٠ عاماً بشكل متكرر، فكانت المجموعة التي صبرت وانتظرت قطعة الحلوى الثانية تحقق نجاحا في كل مجال يتم قياس تطورهم عبره، أي أن هذه السلسلة من التجارب أثبتت يقيناً أن (قوة تحملك وقدرتك على الصبر وتأجيل الاستمتاع اللحظي) عامل رئيس ومؤثر قطعاً في نجاحك في الحياة، ما أثبتته التجربة أن الطفل قادر على تأجيل رغباته من أجل هدف معيّن من عمر الرابعة، ولكن هذه المهارة تحتاج لتعزيز وصقل ومتابعة كي تثمر نتائجها.
الأطفال في التجربة السابقة امتنعوا واستطاعوا ضبط أنفسهم لغرض بسيط هو الحصول على قطعة أخرى من الحلوى، فما بالكم لو علم الأطفال أن ثمن الصيام هو دخول الجنة؟ ورضى الله سبحانه؟ ما بالكم لو أن المربين أرشدوا أبناءهم مبكرا إلى الغاية العظمى من هذه المدرسة الربانية؟، وهي أن نكون أقوياء قادرين وملتزمين، فالنجاح يقتضي أن نترك الراحة والمُلهيات ونتحمل ألم الانضباط.
في مدرسة الصوم، ومنذ أكثر من ألف وأربعمائة عام، لنا قدوة في الصحابة والتابعين، فنرى الصائمين المؤمنين الأقوياء عبر التاريخ الإسلامي لم تتوقف إبداعاتهم ولا اختراعاتهم ولا فتوحاتهم ولم يضعفهم ترك الطعام والشراب أو يجعلهم يوما غير قادرين على العطاء والنّجاح؛ بل على العكس تمامًا، كان سببا لتحفيزهم على الإنجاز والنجاح.
فمع الصوم نتعلم الانضباط الذاتي ومراقبة النفس، حيث يختلي المسلم مع كل ما يشتهيه من طعام وشراب وغيرها من الملذات ويتركها إرضاءً لربه وطمعا في أجر الصيام، إنه الدرس الأهم الذي يجب أن نعلمه لأبناءنا بوعي وندربهم عليه مبكرا ولا نؤجل ذلك بحجة أنهم صغار بل نبدأ من عمر الرابعة ليسبق نور الحكمة إلى قلوبهم وتترسخ العقائد في نفوسهم، كما كان الصحابة الكرام رضي الله عنهم يصوِّمون أولادهم في صغرهم تعويداً لهم على هذه الطاعة العظيمة، مثله مثل الصلاة رغم أن الأمر بها يأتي في السابعة والضرب عليها في العاشرة والتكليف بها عند البلوغ، إلا أننا نساعد ابن الرابعة والخامسة على حب الصلاة فنشتري له السجادة ونحببه في العمل ونسمح له بالوقوف معنا في صلاة الجماعة، وهكذا الصيام يحتاج للمران وفهم الغاية.
فلم لا يبدأ الصغير بالتعرف على الصوم ومعناه فيصبرعلى الجوع والعطش لوقت قليل، أو الامتناع عن شيء واحد ومن ثم نشجعه على إنجازه ليستطيع الاستمرار؟! من المهم أن لا نقارن الطفل بغيره فلنقارن قدرة الطفل بنفسه ليقوى شعوره بالإنجاز وتزداد ثقته بذاته، فمثلا نقول “كنت في بداية الشهر لا تستطيع الصوم أكثر من ساعة في الصباح والآن مرّت ثلاث ساعات وما زلت صامدًا أنا أكيدة أن الله الآن يراك والملائكة تكتب أجرك وبإذن الله تدخل من باب الريان” أي نعطيه تلميحات محسوسة مثل باب الريان ليدرك الأجر. لاحظوا هذا الطفل كيف يتعلّم بالتدريج من عمر أربع سنوات حتى يصل سن التكليف أن يكون مسؤولا قادرًا على كبح جماح نفسه ويملك زمام أمره، قويا أمام رغباته ويستطيع أداء ركنه بكل قدرة وثقة وقناعة، فلنستثمر هذه العبادة بوعي من أجل بناء شخصيات قوية متمكنة قادرة على تحقيق النجاح في الدنيا والفلاح في الأخرة.
أعاننا الله وأياكم على القيام برسالتنا التربوية ودلنا على سبل السداد.