في أحد الأيام، وقف فنانٌ تشكيليٌ مشهور مع صديقه عالمُ الأحياء أمام باقة جميلة من الزهور، فقال الفنان متباهيًا:" بالطبع أنت لا يمكنك رؤية الجمال الذي أراه أنا في هذه الوردة، والذي أستطيعُ بسهولة أن أنقلهُ بريشتي". فرد العالم: "بالتأكيد لا أستطيع أن أرى بعينك، لكنني أعتقد أنني أرى ما هو أبعد من النظر للجمال الخارجي للوردة؛ فأنا أعرف أيضاً ما بداخلها من أسرار حيوية، وضعها الخالقُ عز وجلّ".
عالم الأحياء له وجهة نظره الخاصّة، وكذلك الفنان له وجهة نظرٍ أخرى. ولكلّ من الوجهتين أهميتها الخاصة، فلا يمكن أن نهتم بالمظهر ونهمل الجوهر، ولا العكس يكون صحيحاً.
حين نلاحظ كيف استحوذت المظاهرُ على اهتمام أبنائنا وشبابنا هذه الأيام، وفي كلّ مكان، ندرك بحقّ الاهتمام الفائق بالماديات وإعلاء قيمتها، والعناية المبالغ فيها بالمظاهر. هذا الأمر يقابله تدني الاهتمام بالأخلاقيات، وجوهر الشخصية.
وهنا السّؤال الجوهريّ الّي يطرح نفسه: ما الذي جعلهم يحرصون على المظاهر لدرجة الهوس؟
من المتعارف عليه، إنّ أطفالنا يستقون منا تصرفاتهم، ويتعلمون منا من دون أن نقصد؛ فحرصك أيّها المربّي على المظاهر واهتمامك بها وترديدك لعبارات مثل:"هذا لبس قديم وقد شاهده الناس من قبل؛ لن أرتديه وسأشتري غيره". أو:" أنا أحبّ أن أشتري العلامات التجارية المعروفة". كل هذا وغيره ينعكس على تصرفاتهم التي يكتسبونها منّا بالمحاكاة.
عندما نُبدي اهتمامًا بمظهر الطفل كقيمة تستوجب المديح والمكافأة، منذ المراحل المبكرة من العمر، كأن نقول للطفلة عمرها سنتين ومن باب التدليل: ” يا سلام ما أحلى فستانك!. صحيح أن الطفلة تستمتع في البداية بهذا الإطراء، وتعتبر أنّ الإطراء على فستانها هو إطراء لذاتها، لكنها ومع تكرار مثل هذه العبارات، يترسخ لديها فكرة أنها لن تنال الإعجاب، والقبول، من الآخرين ما لم تلبس ما يلفت انتباههم.
إنّ الطفل في المرحلة المبكرة من عمره يكتسب تقدير الذات من خلال إرضاء الراشدين ومدحهم له، وهي غاية يسعى إليها، أما في مرحلة المراهقة فقد يعاني من تدني تقدير الذات نتيجة كثرة الرسائل السلبية من الأهل، فيتحول اهتمامه إلى ما يقوله الرفاق وما يظهرونه له من إعجاب وإطراء، ويشكل هذا محور الاهتمام الرئيس لديه، فكر في صفة تمتلكها الطفلة غير ملابسها ومظهرها الخارجي امتدح ابتسامتها، طيبتها، مسامحتها لأخوها الصغير، تعاونها، مبادرتها هذا ا يشكل شخصية قوية تعي أن القوة في الجوهر لا المظهر.
فلنسع إلى ملأ نفوس أطفالنا بقيم أخلاقيّة يعرفون أنّها الجوهر الّذي من خلاله يتميّزون، وليست المظاهر سوى قشور زائلة لا محالة.