كيف نبني بيئة ايجابيّة لا تنمّر فيها تحمي أطفالنا أينما كانوا؟
إنّ التّنمّر ظاهرة مؤلمة ولها آثار مدمّرة لنفسيّة الطّفل وهي للأسف تنتشر انتشارًا لافتًا في مدارسنا ومجتمعاتنا، ويعدّ أحد أكثر التّحدّيات النّفسيّة والسّلوكيّة الّتي تواجه الأطفال، حيث يترك خلفه ندوبًا عميقة في نفوس ضحاياه يصعب محوها.
لنفهم الظّاهرة من منظور جديد فنحن المعلّمون والآباء، يقع على عاتقنا مسؤوليّة كبرى في بناء بيئة تعليميّة واجتماعيّة آمنة محفّزة وداعمة، تقوم على الاحترام المتبادل، التّقبّل، واحتواء الاختلافات، فلا يقتصر الأمر على الحدّ من التّنمّر، بل يجب أن نسعى لزرع بذور التّعاطف والرّحمة مبكرا لتنحدر وتثمر عطاء وإيجابيّة في قلوب وعقول أطفالنا.
تؤكّد الأبحاث الحديثة إلى أنّ التّنمّر ليس مجرّد سلوك فرديّ سيّء وحسب، بل هو غالبًا ما يكون سلوكًا مدفوعًا بديناميكيّات اجتماعيّة معقّدة، مثل الرّغبة في السّيطرة، أو لفت الانتباه، أو حتّى انعكاس لمشاكل يواجهها المتنمّر نفسه.
كما تشير أحدث الدّراسات إلى أنّ التدخّل الفعّال يجب أن يكون في التّنشئة الّتي تعلّم الأطفال مساويء التّنمّر، إذ يجب علينا أن نوعّيهم لمخاطره إذا حصل وأن نتدخّل بصورة شموليّة، ولا يقتصر تدخّلنا على معاقبة المتنمّر فقط، بل:
- دعم الضّحيّة: باحتوائه و تقديم الدّعم النّفسيّ والعاطفيّ لتعزيز مرونته وقدرته على رؤية نقاط قوّته واستعادة ثقته بنفسه وتعليمه مهارات حلّ النّزاعات والتّعامل بقوّة وثقة مع الآخرين.
- تغيير ثقافة المدرسة: من المهم بناء ثقافة مدرسيّة قويّة ترفض التّنمر بجميع أشكاله وتشجّع على التّعاطف والاحتواء، وتفعيل قوانين الحماية والبحث عن جذور المشكلة الّتي سبّبت التّنمّر من البداية والتّخلّص منها.
- تدخّل الأقران: تشجيع الطّلّاب على التّفاعل الإيجابيّ للحدّ من التّنمّر ومساندة الضحايا ومقاومة المتنمّرين.
- إشراك أولياء الأمور: التّعاون بين المدرسة والمنزل لتعزيز نفس القيم والممارسات، ففي ظلّ التّزايد الملحوظ لحالات التّنمّر بين الأطفال، بات الاحتواء العاطفيّ والتّربويّ ضرورة لا غنى عنها، إذ يعدّ الاحتواء أحد أهمّ أساليب الوقاية والعلاج، لما له أثر في تعزيز شعور الطّفل بالأمان والانتماء، فعندما يشعر الطّفل بأنّه مسموع ومفهوم ومقبول كما هو تقلّ حاجته للتّفريغ السّلبيّ الّذي يظهر بإيذاء الآخرين، فتتراجع احتماليّة تحوّله إلى متنمّر أو ضحيّة، ومن هنا يبرز دور الأسرة والمعلّمين والمؤسّسات التّربويّة في خلق بيئة داعمة تحيط الطّفل بالحبّ والرّعاية والفهم والاحتواء، وتسهم بشكل فعّال في الحدّ من سلوكيّات التّنمّر ومضاعفاته.
فالاحتواء ليس مجرّد شعار، بل هو سلوك يوميّ يمكن أن يحدث فرقًا هائلاً في حياة الأطفال.
ومن القصص الملهمة الّتي لا تُنسى وتعدّ مثالًا قويًّا وداعمًا للفكرة:
صادفت في جمعيّة سند لدعم أطفال السّرطان قصّة ملهمة، ذكرت في أحد المؤتمرات عن طفل صغير عاد إلى المدرسة بعد غياب طويل عنها بسبب معركة مع مرض السّرطان، وقد بدا هزيلًا وفقد شعره نتيجة العلاج. قد يكون هذا الموقف مؤلمًا ومحرجًا للطّفل، وقد يجعله يشعر بالحرج والوحدة والاختلاف، ولكن لم يسمح المعلّم ولا زملاء الطّفل بحدوث ذلك، ففي يوم عودته، لم يكن وحده من دون شعر، لقد حلق المعلّم وجميع زملائه شعر رؤوسهم تضامنًا معه! تخيّلوا وقع ذلك على نفس الطّفل!! لقد شعر بأنّه ليس وحيدًا، وأنّ اختلافه هو جزء من تضامن المجموعة. هذه الواقعة الحقيقيّة لم تمنع التّنمّر فحسب، بل غرسَت قيمًا عميقة من التّقبّل والتّعاضد والتّعاطف.
كيف يمكن للمعلمات والأهالي تعزيز بيئة الاحتواء؟
- كن قدوة إيجابيّة: أظهروا التّعاطف، التّقبّل، والاحترام في تعاملكم اليوميّ مع الجميع، سواء في المنزل أو المدرسة.
- علّموا الأطفال التّعاطف: شجّعوهم على وضع أنفسهم مكان الآخرين وفهم مشاعرهم، واستخدموا القصص والنّقاشات المفتوحة كوسيلة لتنمية هذه المهارة.
- احتفلوا بالاختلافات: علّموا الأطفال أنّ التنوّع في الشّكل، اللّون، القدرات، والاهتمامات هو ما يجعل العالم غنيًّا وجميلًا، وشجّعوهم على الحديث عن هذه الاختلافات بإيجابيّة.
- عزّزوا مهارات التّواصل: درّبوا الأطفال على كيفيّة التّعبير عن مشاعرهم وحاجاتهم بطريقة سليمة، وكيفيّة حلّ النّزاعات من دون اللّجوء إلى التّنمّر.
- وفّروا مساحات آمنة: يجب أن يشعر الأطفال بالرّاحة والأمان عند التّحدّث عن أيّ سلوك تنمّر يتعرّضون له أو يشاهدونه.
- تفعيل دور المشاهد الإيجابيّ: درّبوا الطّلّاب على كيفيّة التّدخل بطريقة آمنة وفعّالة عندما يشاهدون ظاهرة تنمّر، سواء بالتّبليغ عنه أو بتقديم الدّعم للضّحيّة.
- التّعاون المستمرّ بين البيت والمدرسة: تبادل المعلومات والخبرات لضمان وجود رسالة موحّدة ومتكاملة حول رفض التّنمّر وتعزيز الاحتواء.
استخدمو القصص لإعطاء نماذج ايجابيّة مثل قصّة "ذات الشّعر الأحمر"
الّتي تحكي عن طفلة صغيرة ذات شعر أحمر "مجنون" ومميّز، ربّما كانت عرضة للسّخرية أو التّنمّر. ولكن بدلًا من أن يصبح شعرها الأحمر نقطة ضعف، تحوّل إلى نقطة قوّة بفضل الإبداع واحتواء أصدقائها ومعلّمتها.
إنّ بناء بيئة مدرسيّة ومجتمعيّة آمنة وخالية من التّنمّر ومفعمة بالتّعاطف، والاحتواء، والتّوعية المستمرة، هو مسؤولية مشتركة. هكذا نربّي أجيالًا تؤمن بقوّة التّقبّل وتحتفي بالتّميّز والاختلاف، جيلًا يختار الاحتواء لا التّنمّر.
وختامًا، محاربة التّنمّر تبدأ من الكلمة الطّيّبة ومن عين يقظة وقلب يشعر، فالطّفل يستحقّ الأمان والحبّ والاحتواء ليحيى بهناء وراحة.