طفلك يبكي عند باب المدرسة؟ التهيئة النفسية أهم مما نظن

11 أغسطس 2026
وفاء الطجل
طفلك يبكي عند باب المدرسة؟ التهيئة النفسية أهم مما نظن

كيف تهيئين طفلك نفسيًا وعصبيًا لليوم الأول من المدرسة، وتساعدينه على التعامل مع المجهول بثقة؟

مع اقتراب بداية العام الدراسي، تنشغل معظم الأسر بشراء الحقيبة، وتجهيز الأدوات المدرسية، وضبط مواعيد النوم، وتكرار العبارات المشجعة.

ورغم أهمية كل ذلك، فقد لا يمنع بكاء الطفل عند باب المدرسة، أو تمسكه بوالدته صباح اليوم الأول، أو رفضه الدخول، أو غضبه الشديد، أو انطواءه المفاجئ.

فتتساءل الأم:   “لقد جهزت كل شيء… فلماذا لا يزال طفلي غير مستعد؟”

ربما لأننا جهزنا أدوات المدرسة، لكننا لم نهيئ الطفل بما يكفي للتعامل مع الانتقال نفسه.

فالطفل لا يخاف المدرسة بقدر ما يخاف ما لا يستطيع توقعه.

بالنسبة إليه، تعني المدرسة مكانًا جديدًا، ووجوهًا جديدة، وقواعد مختلفة، وروتينًا لم يعتده، وساعات يقضيها بعيدًا عن والديه. وكلما كان ما ينتظره أكثر غموضًا، ازداد احتياجه إلى الدعم، والتدرج، والشعور بالأمان.

وتشير أبحاث مركز الطفل النامي بجامعة هارفارد (Center on the Developing Child at Harvard University) إلى أن ما يُعرف بالوظائف التنفيذية يساعد الطفل على التركيز، وضبط الاندفاع، وتذكر التعليمات، والانتقال بين المهام، والتكيف مع المواقف الجديدة. ويصفها المركز بأنها أشبه ببرج مراقبة ينظم حركة الطائرات؛ فهي تساعد الطفل على تنظيم أفكاره وسلوكه واتخاذ قراراته في المواقف اليومية.

كما تشير أبحاث عالمة الأعصاب الكندية أديل دايموند (Adele Diamond) إلى أن هذه المهارات ليست قدرات ثابتة يولد بها الطفل، بل يمكن تنميتها تدريجيًا من خلال اللعب، والممارسة، والخبرات اليومية المناسبة لعمره.

وعندما نفهم كيف يتعامل دماغ الطفل مع المواقف الجديدة، يصبح من الأسهل أن نساعده بطريقة تتوافق مع نموه الطبيعي.

لذلك، لا يكفي أن نقول له:  “لا تخف… المدرسة جميلة.”

بل نحتاج إلى أن نساعده على معرفة ما سيحدث، وأن نتيح له فرصًا للتدرب على بعض مهارات التنظيم الذاتي، وأن نحافظ في الوقت نفسه على شعوره بالأمان والارتباط.

وقبل أن نبدأ، يجدر أن نتذكر حقيقة مهمة:

الأطفال في هذه المرحلة يتعلمون بالتجربة واللعب أكثر مما يتعلمون بالشرح الطويل. لذلك، فإن أفضل وسائل التهيئة هي تلك التي يعيشها الطفل ويجربها بنفسه.

الخطوة الأولى: اجعلي المجهول معروفًا

يشعر الطفل بأمان أكبر عندما يعرف ما الذي ينتظره.

فإذا أمكن، اصطحبيه في زيارة قصيرة إلى المدرسة قبل بدء الدراسة، واجعليها جولة بسيطة يكتشف فيها المكان.

أريه:

* من أين سيدخل.

* أين سيضع حقيبته.

* أين تقع دورة المياه.

* أين سيجلس.

* من هي معلمته.

* ماذا سيحدث بعد دخوله الفصل.

بعد ذلك، حوّلي اليوم الدراسي إلى قصة قصيرة يستطيع توقع أحداثها، مثل:

“سندخل المدرسة، ثم نسلم على المعلمة، وبعدها نضع الحقيبة في مكانها، ثم نجلس مع الأطفال، ونستمع إلى القصة، وبعد ذلك سنلعب ونتعلم.”

ويمكن أيضًا رسم خطوات اليوم باستخدام صور أو رموز بسيطة.

ليس الهدف أن يحفظ الطفل هذا التسلسل حرفيًا، وإنما أن ينتقل من فكرة:

“لا أعرف ماذا سيحدث.”

إلى:

“أنا أعرف تقريبًا ماذا سيحدث.”

وتبين الدراسات أن الطفل كلما شعر بأن البيئة من حوله أكثر قابلية للتوقع، انخفض مستوى التوتر لديه، وأصبح أكثر قدرة على التكيف مع التغيير.

الخطوة الثانية: درّبي مهارات التنظيم الذاتي من خلال اللعب

قد نظن أن الجلوس بهدوء، والاستماع، وانتظار الدور، واتباع التعليمات، مهارات يتعلمها الطفل داخل المدرسة.

لكن الحقيقة أنه يستطيع التدرب عليها قبل ذلك بوقت طويل… من خلال اللعب.

جربي معه ألعابًا بسيطة مثل:

لعبة إشارة المرور

🟢 الأخضر: يتحرك الطفل.

🔴 الأحمر: يتوقف تمامًا.

ثم أضيفي تدريجيًا تعليمات أو ألوانًا جديدة.

أو:

لعبة التمثال

شغلي الموسيقى، ودعي الطفل يتحرك بحرية، وعندما تتوقف الموسيقى، يتجمد في مكانه.

أو:

لعبة اتبع القائد

ينفذ الطفل الحركات أو التعليمات التي يقوم بها أحد الوالدين، مع تغييرها بين السريع والبطيء، أو اليمين واليسار، أو القفز والوقوف.

قد تبدو هذه الألعاب بسيطة، لكنها تدرب الطفل على الانتباه، وضبط الاستجابة، والمرونة الذهنية، واتباع القواعد، وهي جميعها من المهارات الأساسية للوظائف التنفيذية التي يحتاجها داخل الصف.

كما تساعد قراءة القصص التي تتناول النظام، وانتظار الدور، واحترام القواعد، على ترسيخ هذه المهارات بصورة طبيعية ومحببة.

الخطوة الثالثة: ابنِ جسرًا عاطفيًا بين البيت والمدرسة

بعض الأطفال لا يخافون من المدرسة نفسها، بل من الابتعاد عن الشخص الذي يمنحهم الشعور بالأمان.

ولذلك يحتاج الطفل إلى جسر عاطفي يربط بين البيت والمدرسة.

ومن أجمل هذه الجسور أن يتفق الوالدان مع الطفل على دعاء يردده كل صباح، مثل:

“أستودعك الله الذي لا تضيع ودائعه.”

ويقول الطفل:

“قبلت وديعة الله.”

أو يردد:

“ربي احفظني بما تحفظ به عبادك الصالحين.”

ليس الهدف من الدعاء أن يمنع شعور الطفل بالخوف، وإنما أن يمنحه شعورًا بالأمان، ويغرس في قلبه أن الله معه ويحفظه أينما كان.

ويمكن كذلك الاتفاق على رمز بسيط إذا كانت المدرسة تسمح بذلك، كقلب صغير يُرسم على يد الطفل ويد أحد والديه، أو أي رمز خاص بينهما يذكره بأن من يحبه ينتظره وسيعود إليه.

كما يمكن تعليمه أن يقول لنفسه عندما يشعر بالاشتياق:

“ماما أوصلتني إلى المدرسة… وستعود لتأخذني عندما ينتهي اليوم.”

فالهدف ليس أن نمنع الطفل من الشعور بالخوف أو الاشتياق، وإنما أن نساعده على فهم مشاعره، وتحملها، والاطمئنان إلى أنها مؤقتة.

المدرسة لا تبدأ من باب المدرسة

تهيئة الطفل للمدرسة لا تبدأ بشراء الحقيبة أو المريول فقط، ولا تعني أن نجبره على أن “يكبر” فجأة.

إنها تبدأ قبل ذلك بأيام، عندما نساعده على معرفة ما ينتظره، ونمنحه فرصًا للعب والتدرب، ونبني لديه إحساسًا بأن هذا العالم الجديد يمكن أن يكون مفهومًا وآمنًا.

وقد يبكي الطفل في اليوم الأول رغم كل ذلك. وهذا لا يعني أن التهيئة فشلت.

فالبكاء قد يكون ببساطة طريقته في التعبير عن مشاعر كبيرة لا يزال يتعلم كيف ينظمها.

ليس هدفنا أن نُسكت بكاءه، بل أن نمنحه الأدوات التي تساعده على استعادة شعوره بالأمان، والعودة تدريجيًا إلى الهدوء، ثم المشاركة والتعلم.

قد نشتري الحقيبة في ساعة، لكن تهيئة الطفل قد تحتاج إلى عدة أيام، وربما تكون هذه الأيام من أهم ما نقدمه له قبل بداية رحلته المدرسية.

لذلك، بدل أن نسأل: “هل اشترينا الحقيبة والمريول؟”

فلنسأل أيضًا:  “هل هيأنا طفلنا نفسيًا وعاطفيًا لما سيحدث خلف باب المدرسة؟”

تذكروا…الطفل لا يتعلم عندما يشعر بالخوف، بل يتعلم عندما يشعر بالأمان. والأمان هو أول درس يحتاجه قبل أن يتعلم الحروف والأرقام.”


هل يصعب عليك الانتظار ؟

اليوم الأول في الروضة 

دودو الخروف المئة