كلّ عام، يأتي يوم الأمّ ليذكّر بدور عظيم قد يعتاده الأبناء مع الأيّام، لكنّه عند اللّه عظيم لا يضيع، فالأمّ لا تقوم فقط بأعمال ظاهرة يراها الجميع، بل تحمل همّ أبنائها في قلبها، ويكون ديدنها تأمين راحتهم، وتدعو لهم بالخير، وتخاف عليهم من كلّ سوء، وتفرح لفرحهم، وتتعب بصمت. ومع مرور السّنوات وكبر الأبناء، قد تشعر بعض الأمّهات أنّ دورهنّ بدأ يتراجع، وأنّ أبناءهنّ لم يعودوا بحاجة إليهنّ كما كانوا من قبل، فيدخل إلى قلوبهنّ شيء من الحزن الصّامت.
وهنا تحتاج الأمّ أن تتذكّر معنًى عظيمًا يغيّر شعورها كلّه: إنّ ما تفعله مع أبنائها ليس معروفًا تنتظر عليه الشّكر، بل عبادة عظيمة تؤجر عليها، ولذلك حين ذكر اللّه الوالدين، خصّ الأمّ بالتّعب فقال:
"وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ"
فكأنّ اللّه يذكّر كلّ أم أنّ تعبها معلوم عنده، ومحفوظ، ومكتوب، حتّى لو لم يره أحد من النّاس.
انطلاقًا من هذا المعنى يجب على الأمّ أن لا تنتظر التّقدير من أبنائها رغم أنّ هذا الأمر يسعد قلبها ، بل تحتسب الأجر، وتطلب ما عند اللّه، لأنّ تكريم اللّه أعظم من أيّ تكريم، وأجره لا يساويه شيء.
لكن هذا لا يعني أن تصمت الأمّ عن حقّها في البرّ. فالتّربية الصّحيحة أن تعلّم الأمّ أبناءها كيف يبرّونها، فالأبناء يحبّون أمّهاتهم، لكنّهم لا يعرفون ماذا تفعل كلمة طيبة، أو جلسة قصيرة، أو سؤال بسيط في نفس الأمّ.
وحين قال النّبي ﷺ:
"أمّك، ثمّ أمّك، ثمّ أمّك، ثمّ أبوك"
فهذا توجيه للأبناء، لكنّه أيضًا توجيه للأمّ لتربّي أبناءها على احترامها وإطاعتها وبالتّالي تقديرها وحفظ مكانتها ، وهذه المكانة تظهر في المعاملة، وفي الكلام، وفي الاهتمام.
لذلك أخبري أبناءك بما يسعدك، ليس على سبيل الشّكوى، بل على سبيل التّربية. قولي لهم:
يسعدني أن تجلسوا معي قليلًا،
يسعدني أن أُستشار،
يسعدني أن تسألوا عنّي،
يسعدني أن أسمع كلمة طيبة منكم.
فالأبناء يتعلّمون البرّ عندما نوضحه لهم، لأنّ البرّ ليس مناسبة في السّنة، بل أسلوب حياة.
ومن البرّ الّذي أمر اللّه به برّ الأدب قبل برّ العطاء، لذلك قال تعالى:
"فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا"
والقول الكريم يشمل طريقة الكلام، ونبرة الصّوت، وحسن الاستماع، واحترام الرأي. ومن هنا كان من حقّ الأمّ أن يكون لها رأي مسموع، لا لتفرض رأيها، ولكن لتبقى لها مكانتها في حياة أبنائها.
وفي المقابل، تحتاج الأمّ أن تنتبه لطريقة طلبها، فليس كل عتاب يصلح، وليس كلّ تذكير بالتّعب يقرّب، فبعض الأمهات يكثرن من قول: "أنا تعبت من أجلكم"، فيتحوّل الكلام مع الوقت إلى شعور بالذّنب عند الأبناء بدل أن يكون دافعًا للبرّ. والأقرب للقلوب دائمًا هو الكلام الّذي يخرج من الحبّ، لا من العتاب.
قولي لهم:
أنا أحبـ قربكم مني،
أنا أسعد عندما نجلس معًا،
أكثر ما يسعدني أن أراكم بارّين لي.
بهذه الكلمات أنتِ لا تلومين، بل تزرعين معنى البرّ في قلوبهم.
ومع كلّ ذلك، يبقى أعظم ما تملكه الأمّ هو الدـعاء، فقلوب الأبناء بين يديّ اللّه، ودعوة الأمّ لا تُردّ. فبدل أن يمتلئ القلب بالحزن، فليمتلئ بالدعاء: أن يصلحهم اللّه، وأن يؤلّف بين القلوب، وأن يجعلهم من البارـين.
وفي نهاية الأمر، تذكّري عزيزتي الأمّ أنّ البرّ ليس أمرًا صعبًا على الأبناء إذا تعلّموه، فهو كما قال بعض السّلف:
"البرّ شيء هيّن: وجه طلق، ولسان ليّن."
ابتسامة، كلمة طيبة، سؤال، استشارة، جلسة قصيرة… أشياء صغيرة في نظر الأبناء، لكنّها كبيرة جدًّا في قلب الأمّ.
هذه هي الرّسالة الّتي لا تقولها كثير من الأمّهات، ليس لأنّهنّ لا يحتجن لذلك، بل لأنّهنّ تعوّدن أن يعطين أكثر ممّا يطلبن، وأن يحببن أكثر ممّا يتكلّمْن.
ولا تنسي عزيزتي الأمّ، أن كلّ ما تقدّمينه محفوظ عند اللّه، فكلّ دعاء، وكلّ تعب، وكلّ لحظة صبر هي في ميزان حسناتك.. فكوني قريبة بحبّ، وهادئة بحكمة، ومطمئنّة بأنّ اللّه يرى، ويعلم، ويجزي أجمل الجزاء.