ماذا تعرف عن مرحلة الانفجار اللغوي؟
سؤالٌ يتردد ما هي مرحلة الانفجار اللغوي التي يتحدث عنها المختصون؟
هي مرحلة مهمة وحساسة تظهر مبكرًا يمر بها الطفل أثناء تطور لغته، حيث يحدث فيها تطور سريع ومفاجئ في عدد الكلمات التي يعرفها الطفل ويستخدمها. فبعد أن كان الطفل يقول كلمات قليلة، نلاحظ فجأة أنه انطلق في الحديث، وكأن الكلمات قد انفجرت، وأصبح يتعلم كلمات جديدة كل يوم بسرعة، ويركّب جملًا قصيرة، ويسأل عن أسماء الأشياء، ويكرر الكلمات التي يسمعها باستمرار. هذه المرحلة غالبًا ما تكون بين عمر سنة ونصف إلى ثلاث سنوات، وهي مرحلة طبيعية جدًا، لكنها في الوقت نفسه مرحلة حساسة، لأن اللغة التي يكتسبها الطفل فيها تصبح أساس لغته في المستقبل.
الطفل في الحقيقة لا يبدأ تعلم اللغة عندما يبدأ بالكلام، بل يبدأ منذ ولادته. فالطفل قبل هذه المرحلة يمر بمراحل مهمة؛ يسمع أولًا، ثم يصدر أصواتًا، ثم يناغي، ثم يقول كلمة، ثم كلمتين، ثم فجأة تبدأ الكلمات بالازدياد بسرعة. هذه الزيادة السريعة لا تأتي من فراغ، بل تأتي من البيئة اللغوية حول الطفل. لذلك نقول دائمًا إن اللغة تمر بمراحل: السماع، ثم الفهم، ثم الكلام. والطفل الذي يُتحدث معه كثيرًا، ويُسأل، ويُستمع إليه، وتُقرأ له القصص، يدخل مرحلة الانفجار اللغوي بقوة، بينما الطفل الذي يعتمد على الشاشة، أو الذي تُلبّى طلباته بالإشارة، غالبًا ما تكون لغته أضعف.
وهنا أحب أن أؤكد على فكرة مهمة: الطفل لا يتعلم اللغة من كثرة ما يسمع فقط، بل من كثرة ما يتحدث. اللغة مهارة استخدام، وليست مهارة حفظ. لذلك عندما تكون الأم واعية لأهمية هذه المرحلة، يجب أن تعرف أنها فرصة كبيرة لتأسيس وتقوية لغة طفلها، كما أنها المرحلة التي تتكون فيها الهوية اللغوية. لذلك أنصح الأم أن تتحدث مع الطفل بلغته الأم، وأفضل ما يمكن أن تفعله هو أن تحوّل يومها مع طفلها إلى حوار يومي مستمر: تتحدث معه، تسأله، تجعله يصف، وتضيف مفردات جديدة إلى قاموسه، وتستمع له حتى لو كان كلامه غير واضح.
إذا سألتني أم: ماذا أفعل عمليًا؟ أقول لها: لا تبحثي عن دروس، بل ابحثي عن حوار يومي. تحدثي مع طفلك طوال اليوم، ليس بالأوامر فقط، بل بالوصف والسؤال. قولي له: نحن الآن نرتدي الحذاء، هذا حذاء أسود، سنذهب إلى الحديقة، ماذا سنفعل في الحديقة؟ دعيه يفكر ويجيب، وحتى لو كانت إجابته كلمة واحدة، أعيديها أنت في جملة مفيدة. الطفل يقول: "كرة"، قولي: "نعم، سنلعب بالكرة في الحديقة". بهذه الطريقة أنت تعلمينه الجملة دون أن يشعر أنه في درس.
ومن الأمور التي أنصح بها دائمًا الحكاية اليومية. ليس المهم أن تقرئي القصة فقط، بل أن تجعلي طفلك يحكي. بعد القصة قولي له: ماذا حدث؟ من كان في القصة؟ ماذا فعل؟ في البداية سيتردد، وقد يسكت أو يقول كلمات قليلة، لكن مع الوقت سيتعلم كيف يرتب الكلام في جمل، ثم في أحداث، وهذه مهارة لغوية عالية جدًا.
ومن المهم أيضًا أن تنتبه الأم إلى بعض الأمور التي قد تضعف لغة الطفل في هذه المرحلة، مثل الاعتماد على الهاتف أو التلفاز لفترات طويلة، أو تلبية طلبات الطفل دون أن نطلب منه أن يتكلم، أو مقاطعته كثيرًا وتصحيح كلامه بطريقة تجعله يتردد في الكلام، أو السخرية من نطقه. الطفل في هذه المرحلة يحتاج من يستمع له بصبر، ويتحدث معه كثيرًا، ويعطيه فرصة ليعبّر، وليس من يختصر عنه الكلام.
ختامًا، مرحلة الانفجار اللغوي ليست مرحلة يتعلم فيها الطفل كلمات فقط، بل هي المرحلة التي يتعلم فيها لغته الأم، وتتكون هويته اللغوية، بما في ذلك التفاصيل الدقيقة للهجته. فهو يبدأ بفك شيفرة اللغة، ويتعلم كيف يستخدمها، وكيف يعبّر، وكيف يحكي، وكيف يسأل. وإذا استثمرت الأم هذه المرحلة بالحوار، والقراءة، واللعب التخيلي، فإنها تُبنى اللغة القوية، تؤسس الفصاحة .