تعجبتُ من إصرار حفيدتي — ذات الأعوام الثلاثة — على التحدث بالإنجليزية عند عودتها من الحضانة. لم تكن هذه عادتها قبل المدرسة، بل كانت تتحدث العربية بعفوية تامة. والأغرب أننا في البيت حريصون على العربية؛ نتحدث بها معها، ونقرأ لها القصص، ونغني لها بها، ولا نرد عليها إلا بالعربية، ومع ذلك كانت أحيانًا تصر على الحديث بالإنجليزية.
ظل الأمر يحيرني، حتى اصطحبتها يومًا إلى الحديقة، فوجدتها تتحدث مع الصغار بالإنجليزية. عندها أدركت أنها بدأت تظن — ببراءة عمرها — أن الإنجليزية هي “لغة الصغار”، لأنها اللغة المرتبطة باللعب والأنشطة والأصدقاء داخل المدرسة.
ثم تأكد لي ذلك أكثر عندما حضرت حفلها الختامي. هناك قالت مديرة المدرسة للأهالي:
“لاحظتم أن حفلنا كله كان بالعربية، ورأيتم أبناءكم كيف تفاعلوا بها… أرجوكم تحدثوا معهم بالعربية، ولو لأسبوع فقط.”
كانت كلماتها قصيرة، لكنها عميقة الدلالة. لماذا تحتاج مدرسة عربية إلى مثل هذا الرجاء؟ إنها لغة أبنائنا، وهويتهم، وثقافتهم. وكيف أصبح الحفاظ على العربية داخل البيوت تحديًا تربويًا وثقافيًا ونفسيًا؟
ذلك المشهد فتح أمامي بابًا واسعًا للتأمل في قضية أخطر مما نتصور: كيف تتشكل الهوية اللغوية في السنوات الأولى؟ وكيف يمكن أن يفقد الطفل ارتباطه العاطفي بلغته الأم دون أن نشعر؟
كيف تتشكل الهوية اللغوية بين الثالثة والخامسة؟
يؤكد علماء النفس والتربية أن المرحلة بين الثالثة والخامسة من العمر تُعد من أهم مراحل تكوين الهوية اللغوية والنفسية. ففي هذه السنوات لا يتعلم الطفل الكلمات فقط، بل يبني إحساسه بالانتماء، ويحدد اللغة التي يألفها ويعبر بها عن ذاته ويرتاح لسماعها.
فاللغة في هذه المرحلة ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل وعاء نفسي وثقافي وعاطفي متكامل. ولذلك تؤكد الدراسات أن الطفل الذي يمتلك أساسًا قويًا في لغته الأم يكون أقدر لاحقًا على تعلم اللغات الأخرى بإتقان أعلى؛ لأن اللغة الأم هي التي تبني طريقة التفكير والفهم والتحليل والتعبير.
أما حين يضعف ارتباط الطفل بلغته الأم، فإنه قد يعيش هوية معلّقة؛ فلا هو مندمج بالكامل في ثقافة الآخر، ولا هو متجذر في ثقافته الأصلية. ومع الوقت يصبح أكثر هشاشة أمام التقليد، وأكثر قابلية للذوبان في أي نموذج يراه أقوى أو أكثر حضورًا.
ولهذا نرى كثيرًا ممن يُربَّون بعيدًا عن لغتهم الأم يعجزون لاحقًا عن التعبير العميق عن مشاعرهم مع أسرهم، ويشعرون بانفصال خفي بينهم وبين آبائهم وأجدادهم؛ لأن أعمق المشاعر الإنسانية تحتاج إلى لغة متجذرة في الوجدان، لا لغة مستعارة.
ولا أحد يعارض تعلم الإنجليزية، فهي اليوم لغة العلم والتواصل العالمي، بل إن اكتسابها أصبح ضرورة عملية. لكنها أيضًا لغة سهلة الاكتساب نسبيًا؛ لأن الطفل محاط بها في المدرسة والشاشات والألعاب والإنترنت.
لذلك فالمعادلة الصحيحة ليست: العربية أو الإنجليزية، بل:
عربية قوية أولًا… ثم أي لغة أخرى بعد ذلك.
لماذا الأمر أخطر مما نظن؟
لأن الطفل في عمر 3–5 سنوات لا يتعلم اللغة فقط، بل يجيب داخليًا عن أسئلة مصيرية:
من أنا؟
وإلى أي عالم أنتمي؟
وأي صورة أريد أن أكون عليها؟
فإذا شعر أن “اللغة الأقوى” هي لغة أخرى، وأن لغته الأم لا تُستخدم إلا في التوجيه والدراسة والكلام التقليدي، فإنه يبدأ نفسيًا بالابتعاد عنها، حتى لو كان لا يزال يفهمها.
ماذا يفقد الطفل حين يفقد لغته؟
يفقد:
* قدرته على فهم ثقافته بعمق.
* ارتباطه بتاريخ مجتمعه وأدبه وشعره.
* جزءًا من ثقته بنفسه وهويته.
* سهولة التواصل الحقيقي مع عائلته وأجداده.
* الإحساس الكامل بالانتماء.
والأخطر أنه قد يبدأ — دون وعي — بالشعور أن كل ما يرتبط بلغته الأصلية أقل قيمة أو أقل تطورًا، فينشأ وفي داخله احتقار خفي لهويته نفسها.
ماذا نخسر حين تضعف العربية؟
إن ضعف العربية لا يعني ضعف التواصل فقط، بل ضعف الصلة بالدين، والثقافة، والهوية. فكيف سيفهم الطفل القرآن والأذكار ويخشع في الصلاة إذا كانت العربية بعيدة عن وجدانه؟ وكيف سيتذوق جمال الشعر العربي، وبلاغة الخطابة، وروعة الأدب، وثراء المعاني التي صنعت حضارة كاملة؟
وصدق عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين قال:
“تعلّموا العربية فإنها من دينكم.”
وقال أيضًا:
“تعلّموا العربية فإنها تُثبّت العقل وتزيد في المروءة.”
ماذا يمكن أن يفعل الآباء؟
* التحدث بالعربية داخل البيت باستمرار.
* قراءة القصص العربية يوميًا.
* تشغيل الكرتون والبرامج العربية؛ لأنها تغذي المعجم اللغوي بطريقة ممتعة وطبيعية.
* ربط العربية باللعب، والضحك، والدفء العائلي، لا بالأوامر والدراسة فقط.
وتذكروا دائمًا:
الطفل لا يحب اللغة لأنها صحيحة نحويًا، بل لأنه يشعر أنها تشبهه… وتشبه الذين يحبهم.