شجار الإخوة: نقمة أم نعمة؟

19 يوليو 2026
وفاء الطجل
شجار الإخوة: نقمة أم نعمة؟

بين دور «القاضي» ودور «الميسّر»: كيف نحول شجار أطفالنا إلى فرصة للتعلّم والنمو؟


تخيّلوا هذا المشهد المتكرر: يستيقظ الأبوان على صراخ قادم من غرفة الأطفال، ولعبة يتنازع عليها طفلان، واتهامات متبادلة، ودموع غاضبة.


في هذه اللحظة، يشعر كثير من الآباء والأمهات بالإحباط، وقد يتسلل إليهم شعور بالذنب أو الفشل في التربية، وربما يتساءلون:

**لماذا لا يستطيع أطفالنا العيش معًا بهدوء وسلام؟**


لكن ماذا لو نظرنا إلى هذا الشجار من زاوية مختلفة؟


ماذا لو كان هذا الصراخ المزعج، في بعض المواقف، صوت «ورشة عمل» اجتماعية حية يتدرّب فيها الأطفال على عدد من أهم المهارات التي سيحتاجون إليها في حياتهم؟


فالنزاعات الطبيعية بين الإخوة ليست دائمًا علامة على فشل التربية، بل قد تكون فرصة لتعلّم التفاوض، والتعبير عن المشاعر، والدفاع عن الحقوق، وفهم وجهات نظر الآخرين، والوصول إلى حلول مشتركة.


ولا يعني ذلك أن الشجار مطلوب لذاته، أو أن الأطفال الذين يتفاهمون بهدوء محرومون من التعلم، وإنما المقصود أن النزاع الطبيعي حين يقع يمكن أن يتحول، بتوجيه المربّي، إلى خبرة تربوية لا توفرها المواعظ النظرية وحدها.


النزاع ليس تنمرًا: إنه المختبر الاجتماعي الأول


من الأخطاء الشائعة في بعض البيوت الخلط بين النزاع الطبيعي والتنمر أو العدوان المتكرر.


فقد نسارع إلى وصف كل خلاف بين الأطفال بأنه تنمر أو سلوك عدواني يجب قمعه وإنهاؤه فورًا، مع أن هناك فرقًا واضحًا بينهما.


النزاع الطبيعي يحدث غالبًا بين طفلين متقاربين في القوة، ويكون مرتبطًا بموقف محدد، مثل التنافس على لعبة أو دور أو مساحة. أما التنمر، فيتضمن عادةً تعمد الإيذاء، وتكراره، ووجود اختلال في القوة يجعل أحد الأطفال غير قادر على حماية نفسه.


لذلك لا ينبغي تجاهل التنمر أو العنف أو الإذلال المتكرر، لكن الخلافات اليومية العادية بين الإخوة قد تصبح فرصة حقيقية لتنمية الذكاء الاجتماعي والعاطفي والانفعالي.


ففي كل شجار ينشأ بين طفلين، يمكن أن يتدرّبا على مجموعة من المهارات المهمة، منها:


• التدرّب على التعبير عن المشاعر


يتعلّم الطفل أن من حقه أن يشعر بالغضب أو الانزعاج، لكن ليس من حقه أن يشتم أو يضرب أو يركل.


ومع التوجيه المتكرر، يتعلم أن يقول:


«أنا غاضب لأنك أخذت لعبتي دون إذني».


بدلًا من أن يعبّر عن غضبه بطريقة تؤذي الآخرين.


• التدرّب على أخذ الحق والدفاع عن الحدود


في كل مرة يشعر فيها الطفل بأنه تعرض للظلم، يمر بتدريب عملي على كيفية التعبير عن استيائه، وقول «لا» بوضوح، والدفاع عن ممتلكاته وحدوده ومساحته الشخصية بطريقة مناسبة.


• المطالبة بالإنصاف


يتعلّم الطفل كيف يطلب حقه من الوالدين أو من الشخص المسؤول، ويتوقع منهما العدل والإنصاف.


وعندما يجد من يستمع إليه دون تحيز، يكتسب الثقة والشجاعة للتعبير عن حقوقه مستقبلًا.


• تعلّم التسامح وإصلاح العلاقة


بعد كل خلاف، يتعلم الطفل كيف يتنازل أحيانًا، وكيف يعفو، وكيف يعتذر، وكيف يعيد بناء العلاقة مع أخ أو أخت سيواصل العيش واللعب معهما تحت سقف واحد.


• الإبداع في حل المشكلات


تدفع الرغبة في استمرار اللعب الأطفال إلى ابتكار حلول وبدائل متنوعة، مثل تبادل الأدوار، أو تقسيم الوقت، أو مشاركة اللعبة، أو اختيار نشاط آخر.


وهكذا يبدأ الطفل في اكتشاف أن المشكلة الواحدة قد يكون لها أكثر من حل.


وهناك كثير من المهارات الاجتماعية والنفسية الأخرى التي يتعلمها الطفل من خلال المواقف الواقعية.


أما محاولة منع كل شجار، أو فرض بيئة خالية تمامًا من الخلافات، فقد تحرم الطفل من فرص التدرّب على التعامل مع المواقف الاجتماعية المعقدة.


وقد يخرج إلى المجتمع وهو لا يعرف كيف يدافع عن نفسه، أو يعبّر عن رفضه، أو يتفاوض، أو يستمع إلى وجهة نظر مختلفة.


متى نتدخل؟ وكيف؟


لا يعني ما سبق أن نقف مكتوفي الأيدي، أو نترك المنزل يتحول إلى ساحة معركة، أو نتجاهل حاجة الأطفال إلى تعلّم مهارات الاستماع والتعبير وضبط الانفعال.


فالتدخل مطلوب، ولكن بحدود ذكية، وبأدوار مختلفة عن الأدوار التقليدية.


والخط الأحمر الذي يستدعي التدخل المباشر هو وجود خطر جسدي أو نفسي، أو احتمال وقوع أذى حقيقي على أحد الأطفال.


ويشمل ذلك:

* الضرب أو الركل أو العض.

* استخدام أدوات قد تسبب الأذى.

* الإهانة القاسية أو التهديد.

* التخويف المتكرر.

* استقواء طفل على آخر أضعف منه.

* عجز أحد الأطفال عن حماية نفسه أو التعبير عن رفضه.


أما في النزاعات اليومية البسيطة، فمن الأفضل ألا يتحول الأب أو الأم مباشرة إلى «قاضٍ» يبحث عن المخطئ، ثم يصدر الأحكام ويوزع العقوبات.


فكما يقول المثل التربوي الساخر: **«قاضي الأطفال شنق نفسه».**


والمعنى أن الوصول إلى الحقيقة الكاملة في خلافات الأطفال ليس أمرًا سهلًا؛ فكل طفل يروي الموقف من وجهة نظره، وقد يبدأ الشجار بسبب سلسلة طويلة من الأحداث التي لم يشاهدها الوالدان.


كما أن لعب دور القاضي باستمرار قد يجعل الأطفال أكثر اتكالية، ويدفع كل طرف إلى محاولة كسب الوالدين إلى صفه، بدلًا من تعلم حل المشكلة.


لذلك من الأفضل الانتقال من دور «القاضي» إلى دور «الميسّر» أو «الوسيط».


وفيما يلي ست خطوات عملية للتدخل، مستوحاة من كتاب **«لست صديقي بعد الآن»** لبيتسي إيفنز، تساعد على تحويل النزاع إلى درس في الذكاء العاطفي والاجتماعي:


1. الاقتراب والجلوس

اقتربوا من الأطفال، وانزلوا إلى مستواهم الجسدي، واجلسوا بالقرب منهم بحيث تكون العيون في مستوى متقارب.

فهذا القرب يمنحهم شعورًا بالأمان، ويساعد على تخفيف حدة التوتر، ويشعرهم بأن المربّي حاضر للاستماع والمساعدة، لا لإصدار الحكم فقط.



2. التهدئة ومنع الخطر

أوقفوا فورًا أي تلامس جسدي عنيف، أو صراخ جارح، أو سلوك قد يؤدي إلى الأذى.

يمكن القول بحزم وهدوء:

«أنا هنا لأحميكم، وسأستمع إلى كل واحد منكم، لكن علينا أولًا أن نهدأ ونتوقف عن الضرب والصراخ».**

وقد يحتاج بعض الأطفال إلى لحظات قصيرة لالتقاط أنفاسهم قبل الحديث، لأن الطفل الغاضب جدًا لا يستطيع التفكير أو التعبير بوضوح.



3. سؤال كل طرف عن وجهة نظره

امنحوا كل طفل مساحة كافية ليشرح المشكلة من وجهة نظره، دون مقاطعة أو سخرية من الطرف الآخر.

يمكن القول:

**«سأستمع إليك أولًا، ثم سأستمع إلى أخيك، وكل واحد منكما سيأخذ فرصته كاملة».**

تدرّب هذه الخطوة الطفل على ترتيب أفكاره، وصياغة ما أزعجه، وتحديد السبب الحقيقي للخلاف بدل الاكتفاء بالصراخ أو الاتهام.



4. إعادة رسالة كل طرف بكلمات واضحة

قوموا بدور المرآة، وأعيدوا صياغة كلام كل طفل بعبارات واضحة ومحايدة حتى يسمع الطرف الآخر وجهة نظر أخيه.

يمكن القول مثلًا:

**«أنت يا أحمد غاضب لأن خالد أخذ المكعب الأحمر دون أن يستأذنك، وأنت يا خالد تقول إنك ظننت أن أحمد انتهى من اللعب به. هل فهمت كلامكما بصورة صحيحة؟»**

تعلّم هذه الخطوة الأطفال مهارة الاستماع الفعّال، وتساعد كل طرف على رؤية الموقف من زاوية الآخر، وتنمي لديه القدرة على التعاطف وفهم المشاعر المختلفة.



5. طلب التفكير في الحلول - العصف الذهني

اطرحوا السؤال المهم:

**«ما الحلول التي يمكن أن نفكر فيها الآن حتى تنتهي المشكلة ويستطيع الجميع مواصلة اللعب؟»**

تجنبوا فرض الحل مباشرة، ولا تتبنوا أحد الحلول منذ البداية، بل امنحوا الأطفال فرصة للتفكير واقتراح البدائل.

قد يقترحون:

* تبادل الأدوار.

* تقسيم الوقت.

* استخدام مؤقت زمني.

* اللعب معًا.

* اختيار لعبة بديلة.

* الاحتفاظ باللعبة لصاحبها إن كانت ملكًا خاصًا.

* تأجيل اللعب بها إلى وقت آخر.

ليس المطلوب الوصول فورًا إلى الحل المثالي، بل تدريب الأطفال على التفكير والمقارنة واختيار البديل الأنسب.


6. اختيار الحل وتنفيذه

اتركوا الأطفال يتفقون، قدر الإمكان، على الحل الذي يناسبهم، حتى لو كان حلًا بسيطًا، مثل تقسيم وقت اللعب بالدقائق أو تبادل الأدوار.

ثم يكون دور الأب أو الأم هو الإشراف على تنفيذ الحل الذي اختاره الأطفال، والتأكد من التزام الأطراف به.



يمكن القول:

**«اتفقتم على أن يلعب كل واحد منكما بالمكعبات عشر دقائق، وسأساعدكم على الالتزام بالوقت».**

عندما يشارك الطفل في اختيار الحل، يكون أكثر استعدادًا للالتزام به من الحل الذي يُفرض عليه دون مشاركة أو نقاش.


## شجّعوا السلوك الإيجابي بعد انتهاء النزاع

من المهم ألا يقتصر انتباهنا على لحظات الشجار فقط، بل ينبغي أن نلاحظ أيضًا لحظات التعاون والتفاهم والمشاركة.

قولوا لهم مثلًا:

* «أعجبني أنكما استمعتما إلى بعضكما».

* «أحسنتم عندما وجدتم حلًا بأنفسكم».

* «كان من الجميل أن تنتظر دورك».

* «أقدّر اعتذارك ومحاولتك إصلاح الموقف».

* «رأيتم كيف استطعتم إنهاء المشكلة دون ضرب أو صراخ؟»


فالتعزيز المحدد يساعد الطفل على معرفة السلوك الجيد الذي نريده منه، ويزيد احتمال تكراره مستقبلًا.


ومع التدريب المستمر، ستلاحظون يومًا بعد يوم نمو مستوى النضج الاجتماعي لدى أطفالكم، وقدرتهم على التعبير والتفاوض والتفاهم دون حاجة دائمة إلى تدخل الكبار.


وفي المرة القادمة التي ترتفع فيها أصوات شجار الأبناء في أرجاء المنزل، خذوا نفسًا عميقًا، ولا تسمحوا لشعور الذنب بأن يسيطر عليكم.


تدخلوا عندما يوجد أذى، ووجّهوا عندما توجد فرصة للتعلم، وتذكروا أنكم لا تديرون فوضى فحسب، بل تشرفون على تدريب اجتماعي حي.


ففي هذه المواقف الصغيرة يتعلم الأطفال كيف يطالبون بحقوقهم بثقة، ويحترمون حقوق الآخرين، ويختلفون دون أن يخسروا العلاقة، ويصلون إلى الحلول بدل أن يبقوا أسرى للمشكلة.