هل أصبحنا نخاف من الحزم؟

8 سبتمبر 2026
وفاء الطجل
هل أصبحنا نخاف من الحزم؟

تأمّلوا معي هذه المشاهد…


تقف الأمّ في متجر الألعاب، وقد اتّفقت مع طفلها منذ البداية: «لن نشتري إلّا لعبة واحدة فقط اليوم». لكنّه يرى لعبة تعجبه، فيطلبها، ثمّ يُلحّ، ثمّ يبدأ بالبكاء. تذكّره الأمّ بالاتّفاق، فيزداد غضبه، وتبدأ هي في التّردّد: هل أنا قاسية؟ لماذا لا أشتريها وينتهي الأمر؟


وفي بيت آخر، يعلن الأب انتهاء وقت الشّاشة، فيطلب طفله: «خمس دقائق فقط». يمنحه خمس دقائق، فتصبح عشرًا، ثمّ تبدأ المفاوضات من جديد.


مشاهد تتكرّر عند النّوم، وفي المتجر، وعند مغادرة الحديقة، وأمام الحلوى والأجهزة الإلكترونيّة.


والمشكلة ليست أنّنا لا نعرف كيف نقول «لا»، بل إنّنا نخاف أحيانًا ممّا سيشعر به الطّفل بعد أن نقولها.


والأهمّ: ماذا يحدث لطفل لا يسمع «لا» إلّا قليلًا، ولا يواجه الإحباط إلّا ويسارع الكبار إلى إزالته من طريقه؟


راجعت التّربية الحديثة كثيرًا من الممارسات القديمة الّتي قامت على الخوف والطّاعة والعقاب الصّارم، وكان ذلك ضروريًّا. وعدّلت نظرتنا إلى التّربية، فتعلّمنا أنّ للطّفل مشاعر يجب فهمها واحترامها، وأنّ الإهانة والقسوة ليستا تربية.


لكن المشكلة تبدأ حين ننتقل من رفض القسوة إلى الخوف من الحزم؛ فنعتبر غضب الطّفل شيئًا ينبغي منعه، وبكاءه علامة على فشلنا، فنسارع فورًا إلى إزالة أي إحباط من طريقه، معتقدين أنّ رحمتنا بابننا تستلزم أن نعفيه من كلّ إحباط.


في كتابهما *The Coddling of the American Mind*، المترجم عربيًّا بعنوان «تدليل العقل الأمريكيّ»، يناقش جوناثان هايدت وغريغ لوكيانوف كيف يمكن للنّيّات الحسنة للمربّين، والرّغبة المفرطة في حماية الأبناء من الألم، أن تقود إلى مزيد من الهشاشة النّفسيّة. ويتناولان مفهوم **مقاومة الهشاشة Antifragility**، الّذي يقوم على أنّ بعض القدرات لا تنمو بالحماية المستمرّة، بل بالتّعرّض المناسب للتّحدّيات والصّعوبات والإحباطات.


ويخلص هذا الطّرح إلى أنّ الطّفل لا يحتاج إلى أن نحميه من كلّ ألم، بل يحتاج إلى قدر طبيعيّ منه كي يصبح أقوى؛ يحتاج إلى أن يختبر الانتظار والرّفض وخيبة الأمل، ونحن إلى جواره.


فعندما يريد شيئًا ولا يحصل عليه، ثمّ يغضب ويكتشف بعد قليل أنّه استطاع أن يهدأ ويواصل يومه، يتعلّم رسالة مهمّة مفادها:


**أنا قادر على تحمّل ألم الحرمان أو الرّفض، ولن يحدث لي شيء.**


وقد فرّقت أبحاث عالمة النّفس ديانا بومريند بين التّربية التّسلطيّة الّتي تقوم على الضّبط والقسوة مع انخفاض الدّفء والاحتواء، وبين التّربية الحازمة الدّاعمة الّتي تجمع بين الحدود الواضحة والعلاقة الدّافئة. وهذا التّوازن هو جوهر التّربية المتّزنة.


يمكنني أن أرفض طلب طفلي وأحترمه، وأن أضع حدًّا وأتعاطف مع غضبه، وأن أثبت على قاعدة من دون أن أصرخ.


وقد جاء في تراثنا الإسلاميّ ما يلخّص هذا المعنى: **شدّة من غير عنف، ولين من غير ضعف.**


فكلا الطّرفين مرفوض: لا قسوة تكسر الطّفل، ولا لين يضيّع الحدود.


وبلغة اليوم يمكن أن نقول:


**لا تكسر الطّفل حتّى يطيعك، ولا تتنازل عن دورك حتّى يرضى عنك.**


## كيف نقول «لا» دون قسوة؟


القاعدة الأبسط هي: **احتوِ الشّعور، واثبت على الحدّ أو القاعدة.**


إذا انتهى وقت الشّاشة، قل:


«أعرف أنّك مستمتع وتريد أن تكمل، لكن وقت الشّاشة انتهى».


وفي المتجر:


«أعرف أنّك تريد هذه اللّعبة، لكنّنا لن نشتري سوى لعبة واحدة اليوم».


وعند مغادرة الحديقة:


«أعرف أنّك تتمنّى أن نبقى أكثر، ومن الصّعب أن نتوقّف ونحن مستمتعون، لكن حان وقت العودة».


قد يغضب الطّفل أو يبكي. لا تخبره أنّ الأمر «لا يستحقّ البكاء»، ولا تدخل معه في محاضرة طويلة، ولا تجعل بكاءه سببًا لتغيير القرار.


**اسمح بالمشاعر، لكن لا تسلّم لها قيادة الموقف.**


حين يبكي الطّفل بعد سماع «لا»، لا يتعلّم هو وحده احتمال الإحباط؛ نحن أيضًا نتعلّم احتمال أن يكون طفلنا غير سعيد بقرارنا في هذه اللّحظة. فنحن نريد ابتسامته ورضاه، ولذلك قد يكون إعطاؤه ما يريد أسرع طريقة لإنهاء الموقف، لكنّه ليس الأفضل بالتأكيد.


وفي المقابل، لا تجعل «لا» الكلمة الأكثر استخدامًا في البيت.


قبل أن ترفض، اسأل نفسك: هل هناك سبب حقيقيّ؟ هل يتعلّق الأمر بأمان الطّفل أو صحّته أو حقّ الآخرين أو نظام الأسرة؟ أم أنّني أرفض لمجرّد فرض السّيطرة؟


أعطِ طفلك مساحة للاختيار كلّما استطعت، لكن عندما يكون الحدّ ضروريًّا، كن واضحًا وثابتًا.


والثّبات لا يعني العناد. فإذا اكتشفت أنّ قرارك كان خاطئًا، يمكنك مراجعته والقول: «فكّرت في الأمر، وأعتقد أنّ قراري الأوّل لم يكن مناسبًا».


بهذا يتعلّم الطّفل أيضًا أنّ الإنسان القويّ يستطيع مراجعة نفسه.


أحيانًا يحتاج الطّفل إلى والد يحتضنه عندما يبكي، وأحيانًا يحتاج إلى والد يقول له «لا» ويبقى بجواره وهو يبكي؛ لا يعاقبه على مشاعره، ولا يخاف منها، ولا يشتري رضاه بالتّراجع.


واعلم أنّ الحزم **حقّ تربويّ مهمل لطفلك عليك**. نتحدّث كثيرًا عن حقّ الطّفل في الحبّ والاحترام والأمان، لكن هناك حقًّا تربويًّا لا يقلّ أهمّيّة: **أن يجد حدودًا وضوابط واضحة تحميه وتوجّهه**.


من حقّه أن يجد راشدًا يرى أبعد من رغبته الآنيّة، فيمنعه عندما يكون المنع في مصلحته، ويثبت عندما يختبر الحدود، ويتحمّل غضبه من دون أن يهينه.


وبالمقابل، يحتاج الطّفل إلى الرّفق ليشعر بأنّه محبوب ومفهوم، ويحتاج في الوقت نفسه إلى حدود واضحة وثابتة يتعلّم من خلالها ما يجوز وما لا يجوز، وكيف ينتظر، ويتحمّل الإحباط، ويحترم حقوق الآخرين.


والحزم لا يعني القسوة أو العقاب أو رفع الصّوت، بل يعني أن نضع للطّفل حدودًا واضحة، ونثبت عليها بهدوء واحترام، حتّى عندما يغضب أو لا تعجبه قراراتنا.


لهذا فإنّ الحزم صورة من صور الحبّ؛ لأنّنا لا نفكّر فقط فيما يرضي طفلنا الآن، بل فيما يحتاج إليه لينمو إنسانًا مسؤولًا، وقادرًا على ضبط نفسه ومواجهة الحياة.


وأخيرًا…


**الرّفق يبني الجسور، والحزم يحفظ الحدود؛ وبينهما تكمن التّربية السّليمة**.