«أنت عبقريّ بالفطرة!»، «أنت لا مثيل لك يا بنيّ، أنت ذكيّ جدًّا!»، «أنت دائمًا الأذكى والأفضل بين الجميع!».
كم مرّة ردّدنا مثل هذه العبارات من دون أن ندرك أثرها؟
نقولها بدافع الحبّ والرّغبة في التّشجيع، ونظنّ أنّنا نبني ثقة أطفالنا بأنفسهم. لكنّ مدح الذّكاء بطريقة تجعل الطّفل يشعر بأنّه يجب أن يكون دائمًا ذكيًّا ومتفوقًا قد يضعه تحت ضغط كبير؛ فقد يتردّد في المشاركة في مسابقة، أو تجربة نشاط جديد، لأنّه لا يضمن التّفوّق فيه أو الحفاظ على الصّورة الّتي اعتاد أن يرى نفسه من خلالها.
وهنا تكمن المشكلة: ليست في أن نقول للطّفل إنّه ذكيّ، بل في أن نجعل الذّكاء تفسيرًا دائمًا لنجاحه، أو نرسّخه في ذهنه بوصفه صفة ثابتة عليه أن يثبتها ويحافظ عليها. فعندما ترتبط صورته عن نفسه بكونه «الذّكيّ» أو «الأفضل دائمًا»، قد يصبح أكثر حرصًا على حماية هذه الصّورة من حرصه على التّعلّم والتّجربة، فيفضّل أحيانًا ألّا يحاول على أن يحاول ويخفق.
وهذا ما لفتت إليه أبحاث عالمة النّفس كارول دويك (Carol Dweck). ففي دراسة أجرتها مع كلوديا مولر على أطفال في الصّفّ الخامس، وجدتا أنّ الأطفال الّذين مُدحوا على ذكائهم بعد نجاحهم أصبحوا، عند مواجهة الصّعوبة، أقلّ مثابرة واستمتاعًا بالمهمّة، وكان أداؤهم اللّاحق أضعف مقارنة بالأطفال الّذين مُدحوا على جهدهم.
ومن هنا يبرز مفهوم العقليّة النّامية (Growth Mindset)، الّذي ارتبط بأبحاث دويك حول طريقة استجابة الأطفال للتّحدّيات والفشل. وينطلق هذا المفهوم من فكرة أنّ قدرات الإنسان ليست ثابتة بالكامل، وأنّ التّعلّم والممارسة واستخدام الطّرق المناسبة يمكن أن تساعد على تطويرها.
ويرتبط بذلك مفهوم المرونة العصبيّة (Neuroplasticity)، الّذي يشير إلى قدرة الدّماغ على التّغيّر والتّكيّف وتكوين روابط عصبيّة جديدة مع التّعلّم والخبرة.
وتشير أبحاث العقليّة النّامية إلى أنّ طريقة استجابة الأطفال للتّحدّيات لا تعتمد على موهبتهم الفطريّة وحدها، بل تتأثّر أيضًا بالطريقة التي ينظرون بها إلى قدراتهم وإلى الصّعوبات الّتي يواجهونها.
صاحب العقليّة الثّابتة (Fixed Mindset)
يتعامل الطّفل مع الذّكاء والموهبة بوصفهما صفات ثابتة يجب أن يثبتها باستمرار؛ لذلك قد يظنّ أنّ بذل الجهد دليل على ضعف قدرته، فيقول في نفسه: «لو كنتُ ذكيًّا حقًّا، لأنجزت هذا من دون تعب».
وقد يتجنّب التحدّيات الّتي يخشى الفشل فيها، أو يشعر بأنّ أيّ خطأ يهدّد صورته أمام الآخرين.
أمّا صاحب العقليّة النّامية (Growth Mindset)
فينظر إلى قدراته الحاليّة بوصفها بداية يمكن البناء عليها. فلا يرى الصّعوبة دليلًا على العجز، ولا يعتبر الخطأ حكمًا نهائيًّا على قدراته، بل فرصة ليعرف ما الّذي يحتاج إلى تحسينه، وما الطّريقة الأخرى الّتي يمكن أن يجرّبها.
وهنا السؤال الجوهري:كيف نحوّل «العقليّة النّامية» إلى ممارسة يوميّة في البيت والمدرسة؟
إنّ غرس هذا المفهوم لا يحتاج إلى شعارات كبيرة، بل إلى الانتباه إلى كلماتنا اليوميّة، وإلى بيئة تسمح للطفل بالمحاولة والخطأ والتّعلّم.
1. امتدح الجهد والطّريقة، لا الذكاء وحده
بدل أن نقول:
«أنت عبقريّ لأنّك حصلت على الدّرجة الكاملة».
يمكن أن نقول:
«أعجبني أنّك نظّمت وقتك، وراجعت إجاباتك، وجرّبت أكثر من طريقة حتّى وصلت إلى الحلّ».
وبدل:
«أنت أذكى طفل في الصّفّ».
يمكن أن نقول:
«لاحظت أنّك واصلت المحاولة رغم أنّ السّؤال كان صعبًا».
فالهدف ليس أن نتوقّف عن مدح الطّفل، بل أن نجعل مدحنا مرتبطًا بما فعله وما يستطيع تطويره، مثل الاجتهاد، والمثابرة، وتنظيم الوقت، واختيار الطّريقة المناسبة، وطلب المساعدة عند الحاجة.
ولا ننسى قوّة كلمة «بعد» (Yet). فعندما يقول الطّفل: «أنا لا أفهم القواعد»، أو «أنا لا أجيد الرّسم»، يمكن أن نقول:
«أنت لا تتقنها بعد».
هذه الكلمة الصّغيرة تنقل الرّسالة من «أنا لا أستطيع» إلى «لم أتعلّمها حتى الآن، ويمكنني أن أتقدّم فيها».
2. اجعل الخطأ فرصة للتّعلّم
بدل أن يصبح الخطأ سببًا للخجل أو الخوف، وساعد الطّفل على رؤيته بوصفه جزءًا طبيعيًّا من التّعلّم.
يمكن أن نسأله سؤالًا بسيطًا:
«ما الخطأ الّذي وقعت فيه اليوم وتعلّمت منه شيئًا جديدًا؟»
وعندما يرى الطّفل والديه أو معلّميه يعترفون بأخطائهم ويتعلّمون منها من دون خجل، يصبح أكثر استعدادًا للمحاولة، حتّى عندما لا يضمن النّجاح من المرّة الأولى.
3. علّم الطّفل تغيير الطّريقة عند التّعثّر
المثابرة لا تعني أن نكرّر المحاولة بالطّريقة نفسها دائمًا. فإذا لم تنجح طريقة معيّنة، ساعد الطّفل على التّوقّف والتّفكير:
«هذه الطّريقة لم تنجح، فما الطّريقة الأخرى الّتي يمكننا تجربتها؟»
بهذه الطّريقة، يتعلّم الطّفل أنّ النجاح لا يعتمد على الإصرار وحده، بل يحتاج أيضًا إلى مراجعة الطّريقة، والاستفادة من الخطأ، وتجربة بدائل جديدة.
في المرّة القادمة الّتي ينجز فيها طفلك عملًا أو يتعثّر في تجربة، تذكّر أنّ كلماتك تساعده على تكوين صورة عن نفسه وقدراته.
لا يحتاج أطفالنا إلى أن نخبرهم بأنّهم الأذكى دائمًا، أو أن نضعهم في صورة الطّفل المثاليّ الّذي لا يخطئ. هم يحتاجون إلى أن نعلّمهم أنّ قدراتهم قابلة للتّطوّر، وأنّ الخطأ لا يحدّد قيمتهم، وأنّ الصّعوبة ليست دليلًا على العجز.
شجّعوا أبناءكم على المحاولة، وعلّموهم أن يسألوا أنفسهم عند التّعثّر: ماذا يمكنني أن أجرّب بطريقة مختلفة؟
فالثّقة الحقيقيّة لا تأتي من اعتقاد الطّفل أنّه سينجح دائمًا، بل من ثقته بأنّه يستطيع أن يتعلّم، ويتطوّر، ويحاول من جديد.
