ألعبي مع طفلك لتبني شخصيته وتنمي عقله

24 يونيو 2026
وفاء الطجل
ألعبي مع طفلك لتبني شخصيته وتنمي عقله

حين ترى طفلك منهمكاً في بناء برجٍ من المكعبات، أو يتحدث مع دميته بجدية تامة، أو يُعيد تمثيل مشهدٍ رآه في البيت؛ لا تظنّ أنه يضيع الوقت، فهو في الحقيقة **يعمل**؛ يبني نفسه، ويصنع عقله، ويرسم ملامح شخصيته.

يقول عالم النفس المعروف جان بياجيه: "اللعب هو عمل الطفولة"


وكأنه أراد أن يقول لكل أب وأم: انظروا إلى اللعب على أنه المختبر الحقيقي الذي ينمو فيه الطفل يوماً بعد يوم.

وقد ذهب ليف فيغوتسكي إلى أبعد من ذلك حين قال:

> "في اللعب، يكون الطفل دائماً أكبر من عمره، وأعلى من سلوكه اليومي المعتاد"

ورأى أن اللعب لا يعكس النمو فحسب، بل يُحدثه ويُسرّعه، خاصة حين يكون بجانب الطفل شخصٌ يثق به ويشاركه اللعب.

تأمل معي ..حين يحاول طفلك بناء برجٍ فيسقط، ثم يُعيد المحاولة من جديد، هو لا يجمع مكعباتٍ فقط، بل يبني قناعةً راسخة في داخله تنص على: **"أنا قادر.. والمحاولة تستحق"**. وحين تجلس بجانبه وتقول له: *"أعد المحاولة، أنت تستطيع"*، فإنك تصبح صوت الثقة الداخلي الذي سيسمعه في أذنه عند مواجهة أصعب لحظات حياته مستقبلاً.

وحين يتقمّص طفلك دور الطبيب، أو الأب، أو البطل في ألعابه التمثيلية، هو يتدرب عملياً على التعاطف، ويتعلم أن للآخرين مشاعر وأفكاراً تختلف عن مشاعره. وتؤكد الأبحاث أن هذا النوع من اللعب يُطوّر مداركه ومهاراته العقلية والنفسية وهي الركيزة الأساسية للذكاء الاجتماعي والعلاقات الناجحة.

إن كل لحظة خسارة في لعبة، وكل قطعة لا تنطبق، وكل دورٍ لم يأتِ بالنتيجة المرجوة، هي تدريبٌ حقيقي على **تحمّل الإحباط**؛ المهارة المفتاحية التي تحدد طريقة تعامل الإنسان مع أزمات الحياة حين يكبر.

*ما هي أفضل لعبة نشتريها لأطفالنا؟*

كثيراً ما يسألني الآباء والأمهات: *"ما أفضل لعبة نشتريها لطفلنا؟"*

وأجيبهم دائماً: **أنتما.**

إن الأب والأم اللذين يلعبان مع طفلهما—ولو بورقة وقلم، أو بمكعبات عشوائية، أو بقصة يخترعانها معاً—يفوقان في أثرهما أغلى الألعاب الذكية في الأسواق؛ لأن ما يبحث عنه الطفل ليس الإثارة المادية، بل **الحضور**؛ حضور أبويه الواعي والكامل، واهتمامهما، ونظرتهما إليه وكأنه أهم شيء في العالم.

تذكرا اللعب هو الجسر المتين بينك وبين طفلك. وقد أثبت عالما النفس جون بولبي وماري أينزورث في **"نظرية الارتباط"** أن الأطفال الذين يشعرون بالأمان العاطفي مع والديهم ينمون ليكونوا أكثر ثقةً بأنفسهم، وأقدر على بناء علاقات صحية، وأكثر مرونة في مواجهة تحديات الحياة.

واللعب المشترك هو أحد أقوى الأدوات وأقصر الطرق لبناء هذا الأمان العاطفي.

ختاما رسالتي لكما 

*باللعب نُربي، وننمّي، ونُعلّم، ونُطوّر، ونبني علاقةً تدوم.*

فالعب مع طفلك.. الآن.. بما لديك.. كما أنت..

لأن أثرك في لحظة اللعب تلك، أعمق بكثير مما تتخيل!