هل تساءلتِ يومًا لماذا يصرخ طفلكِ فجأة، أو يلجأ إلى العناد الشّديد أمام موقف بسيط؟
في الحقيقة، طفلكِ ليس "مشاغبًا"، بل هو أحيانًا أسيرُ مشاعرَ كبيرة تجتاح قلبه الصّغير، ولا يجد لها اسمًا أو مخرجًا. إنّ أعظم هديّة يمكن أن تقدّميها له ليست في تعليمه الحروف والأرقام فقط، بل في منحه "اللغة" الّتي يعبّر بها عمّا يدور في داخله؛ ليتوقّف عن الصّراخ ويبدأ بالكلام.
في السنوات الأولى من عمر الطّفل، لا تكون التحدّيات في كلماته فقط، بل في مشاعره الّتي تتشكّل داخله من دون أن يعرف كيف يعبّر عنها. قد يغضب، أو يحزن، أو يشعر بالقلق أو الخوف، لكنّه لا يملك الكلمات الّتي تشرح ما يجري في قلبه.
إنّ الذكاء العاطفي لا يولد مع الطّفل، بل يُبنى خطوة خطوة، وأولى هذه الخطوات أن نعلّمه كيف يسمّي ما يشعر به.
تُعدّ القصص والكتب التّربويّة أدوات فعّالة لتعليم الطّفل لغة المشاعر، لأنذها تحوّل المفاهيم المجرّدة إلى صور ملموسة يفهمها الصّغار. فالطّفل لا يولد عارفًا بمشاعره، وحين يفتقد القدرة على تسمية ما يشعر به، قد يلجأ إلى السّلوك العدوانيّ أو الصّراخ كتعبير بديل. لذلك فإن تمكينه من "الأبجدية العاطفيّة" هو أولى خطوات بناء شخصيّة متوازنة ومنسجمة.
يمكنكِ البدء بتعليم طفلك تسمية الشّعور من خلال ربطه بمواقف وألوان وحواسّ. فبعض السّلاسل القصصيّة – مثل سلسلة "أحيانًا شعوري من التّربوين" تربط بين المشاعر والألوان؛ فيرتبط الغضب باللّون الأحمر، والحزن بالأزرق، والخجل بالرّماديّ، والفرح بالأصفر. هذا الرّبط يساعد الطّفل على استحضار الشّعور ومعرفة اسمه بوضوح.
بعد ذلك، قدّمي له نماذج لأطفال يواجهون مشاعرهم بذكاء ويتعلّمون حلّ المشكلات، مثل "سلسلة تيم من التّربويون" وهذه القصص تُظهر كيف يفكّر الطّفل ويبحث عن حلٍّ بدلًا من الاستسلام للمشاعر. وفي مرحلة أكبر، يمكن تقديم قصص تُظهر كيف يتعلّم الأبطال التّعامل مع انفعالاتهم من محيطهم، مثل "سلسلة أنا ومشاعري من التّربويون" القصص الّتي تتناول الغضب أو الخجل أو الخوف وتعرض طرقًا صحّيّة للتّعامل معها.
تمرين عمليّ: "بأيّ لون يشعر قلبك اليوم؟"
لتحويل هذه الفكرة إلى تطبيق عمليّ، جرّبي هذا التّمرين البسيط مع طفلك عند عودته من المدرسة أو قبل النّوم:
أوّلًا: جسّدي وسمّي الشّعور
- أحضري ألوانًا مختلفة:
- الأحمر (للغضب) – الأزرق (للحزن) – الأصفر (للفرح) – الرّماديّ (للخجل).
- اعرضي لونًا واحدًا، ولتكن البطاقة الحمراء مثلًا.
- اسألي طفلك: "كيف يكون شكلك وحركتك عندما تغضب؟" ودعيه يمثّل الغضب بجسده.
- بعد التّمثيل، قولي له ببساطة: "هذا اسمه غضب."
ثانيًا: اختاري معه طريقة للتّعامل مع الشّعور
بعد أن يسمّي الشّعور، ساعديه على اختيار طريقة مناسبة للتّعامل معه، مثل:
- عند الغضب: شرب الماء، تغيير المكان، الجلوس بهدوء، التّنفّس العميق.
- عند الخجل: التّنفّس بهدوء، طلب المساعدة، أو طلب عناق.
- عند الحزن: الكلام، الرّسم، الجلوس مع شخص يحبّه.
بهذه الطّريقة يتحوّل الشّعور من نوبة صراخ إلى اسم، ولون، وطريقة للتّعامل، ويتعلّم الطّفل مع الوقت أن يفهم نفسه بدل أن ينفجر بمشاعره.
تذكّر، الطّفل الّذي يمتلك ذكاءً عاطفيًا هو طفل يمتلك بوصلة داخليّة تساعده على فهم ذاته وضبط انفعالاته، ما يجعله أكثر قدرة على مواجهة ضغوط الحياة، وأكثر نجاحًا في علاقاته مع الآخرين.
في النّهاية، تعليم الطّفل تسمية مشاعره ليس أمرًا بسيطًا أو ثانويَّا، بل هو أساس يُبنى عليه توازنه النّفسيّ وقدرته على التّفاعل الصّحّيّ مع العالم.
فالطّفل الّذي يعرف اسم شعوره، يعرف طريق التّعامل معه.